أربعون

أربعون

أجل لم أجرؤ علي سؤال السيدات ، وعلي أي حال كلهن سَيَستنكرن السؤال وسينكرن الجواب !

أَثَرت السِلم فسألت الرجال ولستة أشهر كاملة كلما التقيت فيها برجل في الأربعين من عمره أو تجاوز الأربعين بقليل طرحت عليه السؤال

“أخبرني ما الذي تغير فيك بعد أن تجاوزت الأربعين ؟ ” كانت الإجابات تأتي ساخرة في أول الأمر ولكن حين يراني جاداً في السؤال ويستشعر صدق الرغبة في تسجيل ذلك التغير يتغير الأسلوب ويأخذ شيئاً من الجدية

 

هنا سجلت كل شيء كما ذكرها أصحابها فقط حذفت ما تشابه من إجابات تجنباً للتكرار:

 

 

  • أصبحت أحب الجلوس وحدي كثيراً ، حتي حين أكون وسط عائلتي أنسحب في هدوء وأبقي بمفردي، البعض يعتقد أنني ربما أشعر بالضيق أو الإكتئاب ولكن الحقيقة إني أجد الراحه في أن أخلو بنفسي أكثر مما كنت أفعل قبل ذلك!

 

  • أجل، ما كان يُفرحني بالأمس لم يعد يحرك لي ساكناً اليوم ، وكذلك تلك الأشياء التي كانت تُحزنني لا أُلقي لها بالاً اليوم ، يمكنك أن تقول أنني أصبحت لا أفرح كثيراً ولا أحزن كثيراً !

 

  • أعتقد بأنني أصبحت أكثر ضعفاً من ذي قبل ، لا أقصد هنا الضعف البدني ….ربما أقصد الحاجة الماسة لوجود أشخاص حولي، أشخاص أحبهم ويحبونني !

 

  • لا أدري لماذا أعاود التفكير في الماضي ؟ لماذا أتذكر أخطائي دائماً ؟ تلك اللحظات تطاردني و أكثر ما يؤلمني فيها هو محاولاتي الهروب من البقاء مع والدي لدقائق حين كان يطلب مني ذلك ، كنت أخلق الحجج لإيهامه بأنني مشغول ولا أستطيع البقاء لأكثر من دقيقة أو ربما دقيقتان ، كنت في العشرين من عمري ساعتها وكان كل ما يُشغلني هم أصدقائي ، أذكر اليوم جيداً كنت مسافراً إلي مدينة الغردقة مع بعض من أصدقائي لم يمض علي وصولي ساعات قليله حين سمعت خبر رحل والدي ، لم يكن عمره قد تجاوز الثلاثة وخمسين عاماً، رحل صغيراً ..رحل فجأة (سكت الرجل لحظه ونظر إليّ وسألني لماذا قَلبت علي كل تلك المراجع ؟ سامحك الله ؟! ثم أكمل في شيء من تردد وربما خوف) أصبحت ….أصبحت أخشي أن أسأل أبنائي أن يبقوا معي لدقائق كما كان يفعل أبي !!

 

  • أشعر بالإمتننان إلي الله سبحانه وتعالي ، لقد أعطاني الله كثيراً من غير حول مني ولا قوة، ما يسعدني الأن أنني أصبحت أشكر الله علي كل شيء وفي كل يوم !

 

  • لا تضحك مما سأقول ، كنت في الماضي أسخر من تصرفات أبي حين كنت أراه يطفىء مصابيح البيت ، أعلم أن الجميع يسخر من هذا الفعل المكرر في كل بيت ، وكنت أتعجب حين أري والدتي تستيقظ من نومها لتتأكد من أحكام الأغطية فوقنا في الشتاء ونحن نيام، صدقني لقد أصبحت أفعل كل تلك الأشياء الأن!

 

  • أتعجب كيف فعلت كل هذا ، يبدو وكأن شخصاً أخر غيري كان يسكنني وأنا في العشرين من عمري

 

  • ما كنت أفعله من أخطاء توقفت عن فعل معظمه الأن، (سكت للحظه قبل أن يُكمل) هناك رغبة في أن “أُصلح” …أُصلح من سلوكي وسلوك من حولي ، لا أتردد في تقديم “مساعدة” لكل من حولي ، هل تغيرت ؟! أجل تغيرت ، كنت فيما مضي مشغولاً بنفسي عن الجميع !

 

  • إبنتي قالت لي يوماً بأن شعر لحيتي قد خالطه شيء من البياض، وهي لا تحب أن تري الشعر الأبيض أصبحت الأن أحلق لحيتي كل يوم حتي لا تراها، أنا لا أعبأ لبياض شعر لحيتي ، في أحد المرات قال لي “حَلاقي” ان الشعر الأبيض الظاهر علي جانبي رأسك له منظر جميل لم أصدقه ساعتها ولكنني تعودت علي وجود بعض من الشعر الأبيض وعلي أي حال هذا الشعر الأبيض في رأسي لا يضايق إبنتي الصغيرة

 

  • أشعر ببعض من كمال في هذا السن ورغبة في الاستمتاع بكل ثانية في الحياة !

 

  • علمتني السنين أن أهدأ ، وأن أستقبل أصعب الأمور بهدوء و تأن !

 

  • أصبحت أفكر كثيراً في الحياة !

 

  • أفكر في أبي كثيراً وأتعجب كيف تعامل مع كل تلك المسؤليات ، كيف أستطاع أن يعبر السنوات بي وبأخوتي في سلام ، أنا الأن أب و أقف عاجزاً عن أدارة الحياة وعن إتخاذ كثير من القرارات، أصبحت أذكر أبي في حديثي أكثر مما كنت أفعل قبل ذلك !

 

  • أعتقد أني أصبحت أفكر في نفسي وما أنا عليه أكثر مما كنت أفعل قبل ذلك ، هناك صوت يقول لي “إنني أستحق حياة أفضل” لا أريد أن أخوض هنا في التفاصيل ولكني من دون شك أستحق حياة أفضل !

 

  • أصبحت أكثر تقبلاً لما كنت أرفضه قبل ذلك !

 

  • إنه السن الوحيد المذكور في القرأن الكريم ، إذاً هو سن فارق ، أشعر بقلق وخوف من الغد، في الحقيقة تراودني رغبة في الأستعداد للقاء الله ، أنا لست متشائم ولا أتحدث هنا عن الموت ولكنها الحقيقة أن ما تبقي من عمر ربما أقل مما مضي، هذه هي الحقيقة

 

  • كنت فيما مضي أنام بهدوء وبسرعة أما الأن فالنوم أصبح غالياً وغير منتظم ، صدقني أصبحت أخشي أن يؤرقني شيء في الليل

 

  • لا أخجل إن قلت لك بأني شعرت وكأنني طفل في سن الأربعين ، مرت بي لحظات اجتاحتني رغبة في البكاء تماماً كما كنت أفعل وأنا طفل صغير

 

  • لا أدري السر وراء مسحة الحزن التي تنتابني بين الحين والأخر ، أنا لا أدري إن كانت تلك المِسحة “حزن” أم نوع من النضوج والتأمل

 

  • لقد أدركت وبعد كل ما مر بي من تجارب بأنه ليس للإنسان أي حول ولا أي قوة في أي شيء، أعلم أن كلامي قد يكون صادماً لك ولكن دعني أخبرك بأننا جميعاً ندعي أننا نملك شيئاً من التحكم في أنفسنا وفيما يحيط بنا من أشياء، ولكننا في الحقيقة لا نملك سوي درجة تحكم “صفر” ، أخبرني هل تستطيع أن تدحر الموت أو المرض عنك وعن أصدقاءك وأهلك ؟ أخبرني هل تملك التوفيق وبيدك بركة الرزق ؟! إنك فقد تملك السعي فقط السعي والإجتهاد ، أتفهم ما أقصد ؟!

 

  • حين أري صراعات من حولي حول منصب معين أو حين تُخبرني زوجتي بأن فلان علي علاقة بفلانة وتزوج للمرة الثانية أو نحو ذلك من أحاديث أشعر حينها بالملل وأشفق علي ذلك ال “فلان” الذي لا أعرفه (رأى إبتسامه تعلو وجهى وهو يحدثني فأسرع يصحص بعض ما قال) لا أدري إن كنت أشفق عليه أم أحسده ؟!

 

الجمهورية أونلاين

الثلاثاء 12 نوفمبر 2019

https://www.gomhuriaonline.com/%D8%A3%D8%B1%D8%A8%D8%B9%D9%88%D9%86%C2%A0/506362.html