رأيت ماكرون !

رأيت ماكرون !

حين وقعت عيني علي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون واقفاً بين حشود الغاضبين في لبنان علي أثر ما حل ببيروت من دمار وما أصاب أهلها من ألم وحزن وشعور بالخراب بعد انفجار مرفأ بيروت ، كان ماكرون يتوسط المشهد تماماً خالعاً سترته ، متحرراً من كل القيود التي تفرضها الدبلوماسية علي الرؤساء والملوك وماداً بيده ليصافح جموع الغاضبين ويعانق أمرأه غاضبة كانت شكت إليه حالها وحال البلد في مشهد مؤثّر، غير آبه بعدوي “الكرونا” أو تفشي المرض ،

تأملت المشهد وتذكرت معه زيارتي لمتحف “اللوڤر” في فرنسا وتذكرت لوحة هناك رسمها “أنطوان چين غرو” وأختار لها أسم “نابليون يزور المصابين بالطاعون في يافا”
وفي اللوحة توسط نابليون جنوده المصابين بالطاعون في المستشفي الميداني، ماداً بيده العارية وقد خلع قفازه غير آبه بالعدوي ليلمس جسد مصاب عار سنده رفاقه وقد رفع المصاب يده اليمني ليُظهر لنابليون “الدُمل” الذي تحت إبطه وهو من أعراض الطاعون في مراحله الأخيرة والتي تنذر بالموت القريب .

في اللوحة بدى نابليون و كأنه المسيح يبرأ المرضي ويرفع الألم ويمحو الظلام والعذاب عن جنوده

أما التاريخ فله رأي أخر عما حدث في يافا وفي المستشفي الميداني

فحين دخل الجنود الفرنسيين يافا قتلوا الاطفال والنساء والرجال مدنيين كانوا أو عسكريين حتي قيل أن الفرنسيون قتلوا كل ما يتحرك فوق الارض في “يافا” و أنسحبت الحامية العثمانية إلى إحدى الدور الحصينة ووصلت الأخبار إلي نابليون وعلم بأمر المذبحة الدائرة في يافا فأمر ضابطين من ضباطه باستطلاع ما يجري هناك في يافا ولما وصلا الضابطين أخبرهم الجنود الفرنسيين بأن الحامية العثمانية تختبأ في حصن قريب وتقدم الضابطين نحو الحصن ولكن الحامية قد أعلنت استسلامها شريطة أن يضمن الضابطان سلامة من يحتمون في ذلك الحصن ، فضمنا لهما الضابطان الأمان،
ولما عادا الضابطان والجنود إلي نابليون ومعهم أربعة آلاف أسير
رأي نابليون الأسرى فقال “ليس عندي طعام لهم ، وإن أطلقتهم ربما عادو لقاتلي” و أجتمع هو و ضباطه ليتشاوروا في الأمر و أستقر رأيهم في النهاية علي أعدام هؤلاء الأسرى، وأعدم معهم من أستسلم من جنود أخرين منذ بداية دخول الفرنسيين “يافا” ، فقتل في ذلك اليوم ٤٤٤١ نفساً علي الرغم من “العهد” المأخوذ بسلامة
الأسرى ،
وتحرك نابليون بجنوده لحصار “عكا” وترك في “يافا” ١٥٠ عسكرياً معافاً و ٣٠٠ عسكرياً مصاباً بالطاعون، ولم يكن نابليون ولا أطباءه وجنوده يربطون بين جثث القتلي المنتشرة في كل مكان وبين تفشي مرض الطاعون

ولما علم أهل “عكا” بأمر مذبحة يافا قاتلوا باستبسال كي لا يصير حالهم كحال أسرى “يافا” فلم يستطع نابليون إسقاط عكا، و عاد إلي يافا والي “المستشفي الميداني” والتي تجمع فيها من تبقي من جنوده بعد ان أنتشر الطاعون بين الاصحاء منهم فقتل من قتل وأبقى من أبقى.

علم نابليون بأمر مرض جنوده وكان أغلب الجنود قد شارفوا علي الموت فاجتمع ثانيةً بضباطه و أطباءه ومستشاريه وناقش معهم أمر الجنود المصابين بالطاعون وبعد جدل طويل ونقاش عقلاني ، أستقر رأيه ورأي رفاقه علي أن يضع السم لهؤلاء المرضي كي يرحمهم من عذاب المرض وآلامه !

وبالفعل دخل المستشفي صائحاً في المرضي
“سيكون الأتراك هنا في غضون ساعات من كان لديه قوة فليقم معنا” فلم يجبه أحد ونفذ نابليون رحمته في هؤلاء الجنود
هذا ما سجله صديق”لوي أنطوان فوفيليه دو بوريان ” في مذكراته عن نابليون منقذ الجنود و مُخلصهم من الآلم والمعاناه ، سامحك الله سيد “ماكرون” علي ما أستدعيه من أفكار وآلام!

#علي_عمر

Leave a Reply

Your email address will not be published.