منيب

منيب

مشاعر ممتزجة ألحت حين فكرت في الكتابة عن عملاق اللحن الحاج أحمد منيب ، فما بين شعور الحب الذي نشأ عندما سمعت صوته يشدو بأغنيته “مشتاقين” ، تمهل أيها القلم ؟! ماذا كتبت “الحب”؟! هل كان حباً حقاً أم هو افتتان بعبقرية فنان فطري؟ لا أدري ، علي أي حال لقد راودني شعور أخر هو شعور الإحباط والسخط، فكيف لا أجد مئات المصادر التي كتبت أو سجلت بعضاً من حياته وتفاصيل ألحانه وأغانيه ، ولكن لهذا الحديث حديث أخر !
تتبعت المصادر حتي وصلت إلي أحد أبنائه وهو الأستاذ فتحي ولم يكن يعلم ما أخفيه من عشرات الأسئلة، جاء صوته يشبة صوت أبية ليس في الغناء ولكن طبقه الصوت تشبه كثيراً صوته وكانت بساطته في الحديث تشعرني أنني أتحدث إلي أحمد منيب وليس إلي ابنه “فتحي منيب”،

تركت عائلة أحمد منيب النوبة وأقامت في الأسكندريه حيث كان عمر أحمد منيب لم يتجاوز العشرين عاماً بعد وهناك في الاسكندرية وجد عالماً مختلفاً عن عالم النوبة ووجد ثقافات غير تلك التي يعرفها في النوبة وكان يحضر مع ابيه بعض اللقاءات الثقافيه والغنائية مع بعض اهل النوبة المقيمين في الاسكندريه وأستمع لاغنيات “محمد البحر دارويش ” أبن الاستاذ سيد درويش ووالد الفنان إيمان البحر دارويش
غير أن والد أحمد منيب لم يكن راضياً عن افتتان ابنه بالفن والتلحين فكان يكسر كل “عود” يقتنيه إبنه وينهره عن التلحين والغناء !
هل كان يعلم والده أنه يحطم “عود” فنان مبدع سيكون له شأن وأي شأن في المستقبل القريب ؟
وهل كان تحطيم العود سبباً في ان يفكر أحمد منيب في الزواج حتي يتسني له الانفصال الشكلي وكونه رجل قد كبر وتزوج ويمكنه فعل ما يحلو له ؟ وبالفعل تزوج أحمد منيب ولكن زواجه هذا لم يمنع والده من منعه من الفن والتلحين والغناء فكان أحمد منيب وحين يعود إلي بيته ليلاً كان أبوه يأمر زوجة أبنه الا تفتح باب البيت له عقاباً له علي عدم التوقف عن التلحين والغناء والافتتان بالفن ، فقرر أحمد منيب السفر الي القاهرة باحثاً عن حرية أوسع ساعياً وراء حبه وولعة بالموسيقي والفن ، وكان هذا القرار قراراً فاصلاً في حياته،
……………………………………………..

واجه أحمد منيب تحدياً واجهه الكثيرون ممن كانت نشأتهم بعيدة عن القاهرة، وهو “البعد عن العاصمة” عن بؤرة الفن ومركزه بما فيها من تعدد مدارس الفن المختلفة، وزاد الأمر صعوبة علي “أحمد منيب” كونه يغني بلغة أهل النوبة والتي لا يفهمها سواهم ، وكان سكان مصر ساعتها يستمعون إلي أغنيات تتحدث باللهجة المصرية العامية أو العربية الفصحي أحياناً، فكيف يشق ذلك الشاب النوبي ذلك الطريق الصعب ؟
أما التحدي الأول فقد تجاوزه حين قرر أن يرحل عن الاسكندرية ويستقر في القاهرة ويبدأ عمله الوظيفي إلي جانب حلمه الفنية ، وسرعان ما بدأ بالغناء في أفراح ومناسبات أهل النوبة المقيمين بالقاهرة وكانت الأغاني كما قلنا تُغني بلغة أهل النوبة، وعقب ثورة يوليو أنشأت الإذاعة المصرية إذاعة وادي النيل لربط خطابها الأيديولوجي بامتداد مصر الجنوبي ممثلاً في السودان، فقدم من خلالها أحمد منيب مع الشاعر محيى الدين شريف أغاني نوبية ولكن في قالب الأغنية الحديثة، غير أن تلك الأغاني كانت مقتصرة علي اهل النوبة وتُغنى بالنوبية أيضاً

ولكن منيب قرر أن يوجه رسالة شخصية للرئيس جمال عبد الناصر طالب فيها بالسماح للموسيقى النوبية بمساحة في الإذاعة المصرية كتأكيد على مصرية نوبيته و استجاب الرئيس للنداء وجاء برنامج “من وحي الجنوب” ليسمع المصريين اللغة النوبية بألحان العازف الشاب أحمد منيب.
نجح منيب في إنطاق الإذاعة بلغة النوبة كأولى خطوات الانتشار للموسيقى النوبية لكن مع الأسف كان الجمهور مشغول بالاستماع إلي أساطير الغناء ساعتها مثل الموسيقار محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وبعدهما عبد الحليم حافظ
فكان نجاحاً صورياً او لنقل نجاح سياسي أكثر منه نجاحاً فنياً

حدث في تلك الفترة “حادث” هام ، هذا الحادث سيغير مجري حياة الشاب النوبي تماماً بل ويأخذ بيده نحو الغناء باللغة العامية من خلال أشعار غاية في العذوبة والجمال ، ذلك حين التقي أحمد منيب بالشاعر القناوي “عبد الرحيم منصور” وسيكون لهذا الثنائي دور عظيم في الأغنية المصريه في السنوات القادمة، ولا أبالغ إذا ما قلت بإن الاضافة الحقيقية التي قدمها “عبد الرحيم منصور” لأحمد منيب ليست قاصرة علي قصائد العامية التي لحنها منيب وغناها بصوته بل كانت الاضافة الحقيقية لمنصور هو عمق الكلمات وتجسيده لفلسفة الحياة عبر تلك القصائد والتي تناسب تماماً صوت منيب الذي يحمل حكمة السنين وخبرة الأباء والأجداد كما كان لمفردات اللغة والتي استخدمها منصور والتي تعود الي بيئته ونشأته في صعيد مصر أثر وأي أثر في أغنيات أحمد منيب”

كان عبد الرحيم منصور في أول الأمر يستمع الي أغاني أحمد منيب باللغة النوبية ثم يشرح أحمد منيب معاني الكلمات الي منصور والذي يعيد كتابة الكلمات بالهجة المصرية العامية ، وكانت أول أغنية غناها منيب باللغة العامية هي أغنية “شجر الليمون ” وهي أحد ايقونات منيب الخالدة ، وبهذا تجاوز منيب التحدي الثاني وهو تحدي “لغة الغناء” ولكن الجمهور مازال مشغولاً عنه كما قلنا بعمالقة أغنية تلك الفترة

وشهدت نهاية السبعينيات غياب كبير للكثيرين من عمالقة الغناء فلقد رحل عبد الحليم حافظ ، وكذلك أم كلثوم وأكتفي الموسيقار عبد الوهاب بالتلحين منذ منتصف السبعينيات، وظهر أحمد عدوية بموسيقاه الشعبية في زمن الانفتاح الاقتصادي، وتغير المزاج السمعي العام مع ثورة الكاسيت وهنا أنطلق أحمد منيب وتحقق الحلم !
ولحق بذلك الثنائي شاب ذو صوت عذب ، ذلك الشاب سيصير له شأن عظيم في الغناء و هو الفنان محمد منير فمثل هؤلاء الثلاثة مشروع الأغنية النوبية في أقصي أبعادة

فكلمات منصور الثرية المملؤة بالهموم والقادمة من عمق الصعيد المجهول لتخطف قلوب أهل القاهرة عامة مع الحن السهل الممتنع لأحمد منيب وصوت شاب من أسوان يحمل من الطموح والآمال ما لا يتسع له الكون !

و استطاع الثلاثي أن يُدخِلوا، ولأول مرة، الثقافة النوبية إلى كل بيت وأسرة مصرية، هل كان أحمد منيب حين أمسك بالعود لأول مرة بأن كل تلك الاحلام ستتحقق ، بل وستتحقق أحلام أخري لم تراود خياله يوماً ؟!

كان اصدقائه يحضرون الي منزله كل ليلة لسماع الموسيقي والأغاني أو لتأدية بعض البروفات الموسيقية وكانت زوجته تستقبل الجميع بالابتسام والترحاب وتقوم علي ضيافتهم جميعاً بينما كانت تقوم أيضاً بواجبها كأم لخمسة من الأبناء بالاضافة إلى واجبها كزوجة ، حتي كانت احد الامسيات في بيت أحمد منيب حين فاجأه الشاعر “محمد زادة” وقال لأحمد منيب “أنا كاتب قصيدة لتهديها أنت لزوجتك” وبالفعل قرأ منيب القصيدة وشرع علي الفور في تلحين كلماتها ليُخرج لنا أغنية “أم العيال العشرية”

مين اللى يسهر جمبى الليل
مين اللى باله معايا طويل
مين لما اتعب يسعدنى
ومعايا حمل الهم يشيل
مين هيا غير ست الستات
وياها بتصبح وابات
واجيب لمين غيرها واهادى
ام العيال العشرية

روى لي نجله تلك القصة في بساطة ولكنه لم يكن يدرك أنني كنت أفكر في أمر والده كيف استطاع ذلك الفنان أن يلحن الكلمات في يسر وسهولة وكأن التلحين بالنسبة له أمر عادي جداً لا يحتاج إلي جهد وعناء وتعب ، ربما أحمد منيب كما قلنا كان موهوب بالفطرة فهو ليس بحاجة الي ما يحتاجه غيره من الملحنين كي يُخرجوا لنا الحانهم هو ببساطه يحتاج إلي “عوده” وإلى الكلمات هذا فقط ما يحتاجه، هل هناك دليل علي ذلك الإدعاء ؟

دعونا نستمع لما قاله الشاعر “مجدي نجيب” عن أحمد منيب

“أحمد منيب يستطيع تلحين أخبار الجرائد وعناوينها ”
بل إننا إذا ما تتبعنا قصة أغنية “حدوتة مصرية” سوف نصل إلى النتيجة نفسها ، فحين كتب الشاعر العظيم عبد الرحيم منصور كلمات أغنية حدوته مصرية ذهب بها إلي أحمد منيب الذي أمسك بالعود وشرع في تلحين الأغنية ثم قام بتسجيلها علي شريط وبعث به إلي “يوسف شاهين ” ، لم يصدق يوسف
شاهين ما سمعه من كلمات ومن لحن عظيم فالكلمات مصرية صميمة واللحن معجز و يعتمد فقط علي العود، غير أن يوسف شاهين اراد اضافة آلات موسيقية أخري إلي اللحن فجاءوا اليه بشكل جديد للأغنية فلم يستسغه شاهين وصاح فيمن معه “الفيلم أسمه حدوته مصرية مش حدوته أمريكية انا عايز نفس اللحن اللي في الشريط” ولنا هنا أمران يجب الوقوف عليهما

الأمر الأول أن لحن حدوتة مصرية يلخص حياة أحمد منيب بل يعبر عن تلك الحياة فهو “السهل الممتنع” لا أحد يستطيع أن يأتي بلحن مثله بتلك السهولة وهذا اليسر حتي قال عبد الرحيم منصور
” إن محمد عبدالوهاب نفسه لا يستطيع تلحين حدوته مصرية كما لحنها أحمد منيب” وسواء أكان ما قاله عبد الرحيم منصور حقيقة أو هو من باب المبالغة تبقي حدوتة مصرية بصوت أحمد منيب أهم أيقونات أحمد منيب علي الإطلاق

والأمر الثاني ، يميل الجمهور للمقارنات بين المطربين بعضهم ببعض وهذا أمر شائع ومقبول إلي حد ما ، غير أن مقارنة حدوتة مصريه بصوت أحمد منيب وصوت محمد منير هي مقارنة ظالمة فأحمد منيب بطبقة صوته وهدوءه والذي يحمل معه حكمة السنين وخبرة الأجيال يضيف بصوته إلي الكلمات بعداً أخر فحدوتة مصرية ليس أغنية إنما هي “تاريخ و حدوتة بلد له تاريخ”

ظل الحاج أحمد منيب يعمل في البنك العربي الافريقي بالقاهرة وكان يقول عن نفسه “إنني هاوي”
لم أتعجب من إجابته فهذا هو العملاق منيب المتواضع ، ذلك الرجل الذي علم نفسه بنفسه فن العزف علي العود
فأخرج لنا أروع الأغاني وأعذبها

خمسة وثمانون لحناً غنى منها أحمد منيب واحد وخمسين لحناً ضمّها في سبع ألبومات

وفي 27 فبراير 1990 توفي أحمد منيب عن عمر يناهز 65 عامًا، وكان آخر أعماله، أغنية “مين يعيش في غير زمانه.. مين يموت في غير أوانه”، حيث ظلت أمامه لفترة طويلة، وبمجرد أن أنهاها دخل المستشفى مريضًا وتوفي بعدها بحوالي 40 يومًا”.