لعازر

لعازر

في تلك اللحظة التي يمتزج فيها الحلم بالحقيقة وتذوب عندها الفواصل بين الواقع والخيال، النوم يتسلل في بطيء إلي رأسي ولا أُظهر أي مقاومة ، كنت أقرأ عن “لعازر” وهو أحد من أحياهم السيد المسيح بعد موتهم ، بمعجزة عظيمة ، وراح عقلي الثمل يتسأل تُري كيف كان حال ذلك الرجل حين عاد مجدداً الي الحياة ؟ وكيف وجد الموت؟ إنه أحد القليلون جداً ممن بُعثوا بعد موتهم ، آه لو قدر لنا أن نلقاهم ونسألهم عن كل شيء ، إنهم وحدهم من ذاقوا الحياة مرتين وذاقوا الموت مرتين !

وتثاقلت أجفاني وأقشعر جلدي فجأة وتجمدت في سريري فلقد شعرت بأنني لست وحدي في الغرفة وبأن هناك شخص أخر يقف وينظر إليّ، فتحت عيني ببطيء وإذا بي أُبصر شبح رجل يقف أمامي عيناه غائرتان ووجهه شاحب و شعر رأسه ولحيته أبيض كالثلج !

وعجزت عن الحركة والنطق ولاحظ الرجل ذلك ولكنه بادرني

 

– هون عليك ؟ فما جئت إليك إلا علي رغبة منك في اللقاء !

 

مرت ثانية كانت كعُمر كامل ، لم أستطيع فيها الرد ثم خرجت كلمات من فمي مرتعشة

 

– من أنت ؟

 

– “لعازر” ذلك الرجل الذي كنت تقرأ عنه !

 

– أأنت لعازر ؟!

 

– أجل ، أنا هو ! ، لماذا طلبت لقائي ؟

 

 

ذهب الخوف عني قليلاً وتمالكت نفسي وأندفعت أُحدثه

 

– صدقني… لم أطلب لقاءك ، إنما كنت فقط أتسأل ….أتسأل عما مر بك في ذلك العالم الغامض عالم الموت ؟ وكيف كانت عودتك إلي الحياة ؟ تُري فيما كنت تفكر حين عدت إلي الحياة ؟ وكيف إستقبلك الناس ؟ إن بياض شعرك عجيب ، إنه يشبه قطعة الثلج !

 

قاطعني لعازر

 

– وماذا تظن بمن ذاق خروج الروح من الجسد مرتين!

 

– وماذا وجدت في عالم الموت ؟!

 

– كانت هي أربعة أيام مكثت فيها في قبري قبل أن أسمع صوت المسيح يناديني “أن أنهض” ويأمرني أن أخرج من القبر !

 

– ماذا وجدت هناك ؟

 

مضت لحظة من الصمت ثم خرج الكلام من فمه هادئاً متأنياً وكأنه يستعيد ذكري شيء ما، ثم أكمل

 

– لقد مرت الإيام عليّ وكأنها أعوام لا تُحصي ..أعوام وأعوام …لقد عشت في تلك الأيام ألاف السنين ….

 

– لماذا تهرب من السؤال ؟ ماذا وجدت هناك ؟

 

– وحشة …ضعف ومرارة وخوف ورجاء وندم وبكاء وفزع !

 

سكت الرجل من جديد قبل أن يُكمل

– حين عدت الي الحياة ، وخرجت من قبري كُنت كالسجين المكبل في الأصفاد لسنوات طويلة ، سنوات تيبست فيها روحه وصار علي قناعة كاملة من أنه لن يستطيع العودة مرة أخري للحياة

 

– ولكنك عدت للحياة ؟

 

– كانت كعودة الميت ! ولكن لماذا “كعودة ” إنها بالفعل عودة رجل ذاق الموت ورأي العالم الأخر ، كنت قبل موتي شاباً يافعاً مرضت مرضاً مِت فيه ولكنني كنت أُخالط الناس قبل موتي وأحدثهم وأحب أختي مريم حباً لو وزع علي أهل الأرض ما وسعهم، ولكني وحين عدت الي الحياة وجدت نفسي قد ذهدت كل شيء ، ذهدت الحديث الي الناس ،حتي أختي شَعُرت وكأن جداراً فاصلاً يبعدني عنها ويعزلني عن الجميع ، أصبحت أُؤثر الصمت وإعتزال الناس ، بل لقد مرت بي لحظة تمنيت فيها أن أعود من جديد إلي حياة القبر !

 

– لقد قلت من ثوان إن في تلك الحياة وحشة وخوف وألم و…

 

– أجل قلت ، ولكنني قد ذقت بعد عودتي تلك الإشياء من جديد بل ذقت ما هو أكثر من ذلك ، لقد كانت فكرة “الموت مرة أخري” …لا …لا ليست فكرة “الموت مرة أخري ” …بل فكرة “خروج الروح” من جسدي مرة أخري … فكرة تخيفني وتُفرعني ، ذلك الخوف ظل يطاردني وأنا أمشي في الطرقات وأنا أتحدث إلي أُخْتَيّ “مريم ” و “مرثا” ، وأنا أنظر إلي وجوه الناس من حولي، لقد كان وسواس خروج الروح يطاردني في كل خطوة أخطوها ، وحطمت الأفكار رأسي حول الحياة ..فكل الحياة محض زوال ، إن الحياة مهما طالت هي محض زوال ، وإني عائد لا محالة الي قبري من جديد …

 

– ولكن ألم تكن في عودتك فرحة، أي فرحة ؟

 

– وهل يفرح المسجون لألاف السنين حين يُفتح له باب سجنه فيخرج منه وقد نسي أمر الحياة الأولي وما فيها ، تلك الأيام القليلة محت من عقلي كل شغف بالحياة . بل لقد زهدت الحياة …زهدت من ذلك الشيء الزائل ، لقد رأيت الصورة الكاملة، لقد رأيت ما تصير إليه الأمور في النهاية !

 

– وماذا عن مريم ؟

 

– أشفقت عليها في أول الأمر، كانت فرحه ببعثي كأشد ما تكون الفرحة، كانت تضحك وكنت أنا واجماً، فلقد هان عندي كل شيء بعد ما رأيت الموت ، كنت أشعر بالخجل حين كانت أختي تُقبل علي وتجلس تحت قدمي تقبلني وتعطف عليّ وأنا لا أبادلها أياً من تلك المشاعر كما كنت أفعل قبل موتي ، إن شيئاً ما تغير فيّ ، شيئ ثقيل بدلني وأحالني إلي شخص أخر غير الذي كنت عليه قبل الموت ، فَرُحت أحب العزلة والإبتعاد عن الجميع بل الإبتعاد عن أورشليم وعن أهلها !

 

– وهل وافقت أختك علي ذلك ؟

 

– أجل وافقت علي مضض !، لقد صَرت فأل شؤم أُورشليم كلها ونبذني الجميع فلم يعد يخاطبني أحد ، كنت صورة الموت لهم، صورة العائد من ذلك العالم المخيف عالم الموت، وسخر أخرون مني ولم يؤمنوا بمعجزة المسيح في بعثي فأطلق بعضهم صغاره ورائي في الطرقات يهزئون بي وراح بعضهم يرمونني بالحجارة، حتي صرت أوضحوكة الصغار وفأل شؤم كبار بني إسرائيل، وكنت أنا أيضاً أمقتهم وأمقت حماقاتهم وجدالهم الطويل، لقد أصبحت ببساطة الشخص المنبوذ من الجميع !

وخفض لعازر من رأسه ثم رفعها في بطيء ناظراً إلي عيني

 

– إنني المعذب العالق الأبدي بين الحياة والموت ، أنا من ذاق مرارة الأمر وهوله مرتين ، إنني التعس الشقي ، فياليتني لم أبعث من جديد !

 

وأقترب مني وكأنه يريد مصافحتي قبل أن يرحل فارتعدت من الخوف وأنكمشت علي نفسي مبتعداً عنه مذعوراً من إقترابه مني ثم صحت فيه

– أبتعد عني .. لا تلمسني … أبتعد ..

 

ولكنني تنبهت حين سمعت صوت الكتاب يسقط من يدي فوق الأرض

 

#علي_عمر

الجمهورية أونلاين

(الخميس ١٢ مارس ٢٠٢٠)

https://m.gomhuriaonline.com/%20%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%B2%D8%B1%20/589408.html